العلامة المجلسي

245

بحار الأنوار

بصره تبصيرا أي جعله بصيرا وعرفه ، والمعتبر أيضا يحتمل المكان والمصدر ، والاعتبار الاتعاظ ، والخلف بالتحريك كل من يجئ بعد من مضى ، وكذا بالسكون إلا أنه بالتحريك في الخير ، وبالتسكين في الشر ، وفي المقام أعم ، والاخلاف جمعه . ( وحرام على قرية أهلكناها ) ( 1 ) أي ممتنع على أهل قرية حكمنا باهلاكها

--> ( 1 ) الأنبياء : 95 ، والمراد بالحرام في لغة العرب ما نعبر عنه بالفارسية غدغن ومعناه العزيمة المؤكدة كالتي يصدر من الملوك والحكام في الأمور الاجتماعية ونظام المجتمع إذا كانت ذات أهمية خاصة ، فيهدد ناقض تلك العزيمة والهاتك لهذه الحرمة بأشد النكال والنقمة . وتلك العزيمة قد يكون في أمر يجب اتيانه وقد يكون في أمر يجب الانتهاء عنه ، يستفاد ذلك بالقرائن اللفظية والحالية المقامية ، كما قال عز وجل : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا أولادكم من أملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ، ولا تقربوا ما اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا الا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ( الانعام : ( 151 - 152 ) . فقد عزم الله عز وجل في هذه الأمور وبعضها فعل وبعضها ترك فعل وقد ورد بذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم وعلى ذلك قول الخنساء : وان حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوة الا بكيت على صخر فعلى هذا يكون معنى قوله عز وجل : ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) واضحا لا ريب فيه ، يعنى أننا عزمنا عزيمة مؤكدة مولوية على القرى التي نستأصل أهلها بالعذاب والنقمة أنهم لا يرجعون إلى الحياة الدنيا في الرجعة ، فتفيد الآية بمفهومها أن غيرهم قد يرجع إلى الدنيا كما تعتقده الشيعة الإمامية تبعا لائمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام والتحية والاكرام . ولعل الوجه في ذلك أن الله عز وجل إنما خلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وقد لا يتهيأ في نظام الخلقة وخصوصا في أدوار الفترة بلاؤهم وفتنتهم بحيث يظهر سرائرهم وتتم الحجة عليهم ( فيقضى عليهم اما بالنار أو الجنة قضاء حتم ) أو يحول بين بلائهم الموت المقدر لهم من دون أن يكون ذلك نقمة عليهم واستئصالا لهم ، فلا من رجوعهم إلى الحياة الدنيا ليتم بلاؤهم ، على ما ورد بذلك روايات أهل البيت عليهم السلام . ولعل ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أن تمام الرجعة أو جلها ومعظمها إنما تكون بعد ظهور دولة الحق بظهور المهدى المنتظر عليه الصلاة والسلام - حيث يكون الجو صالحا لاعمال الخير ، ودعائم الشيطان والطغيان منكسرة بالعكس من أيامنا هذه - إنما هو لئلا يعذر معتذرهم يوم القيامة أنه قد عاقه عن الخير والعمل الصالح ما كان مسلطا على جوه مع الطغيان ووساوس الشيطان ، أو يدعى مدعيهم بأن ولادته في البيت الفلاني الغاشم الظالم أو مجتمع الشرك والضلال وبيئة الفحشاء والفساد هو الذي أخذ بناصيته إلى الكفر والعصيان ، ولذلك يحكى القرآن العزيز عنهم : ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) . وأما إذا كان في عمل الانسان الواحد أو القوم والمجتمع ما يسجل عليه أو عليهم البوار والنار قضاء حتم كالذي يستعجل بالشر ويباهل النبي أو يقترح عليه أن يأتي بآية كذا وكذا فيؤتاه ولا يؤمن به عنادا ، أو يقتل نفسه دفعا للبلاء الذي توجه إليه وغير ذلك من الموارد التي لا مجال للبحث عنها ، فحينئذ يتم بلواؤه ويظهر سريرته ويحتم عليه بالهلاك وإذا أهلكه الله عز وجل بعذاب نازل إليه أو إليهم لا يبقى مجال لإقالتهم عن البلوى الأولى ، وارجاعهم إلى دار الامتحان مجددا وهو واضح . وأما قوله عز وجل : ( حتى أما إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت . كلا ! انها كلمة هو قائلها . ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) ( المؤمنون : 100 ) فلا ينافي الرجعة أبدا كما أنه لا ينافي قوله عز وجل : ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) وغير ذلك من الآيات التي تنص على أن هناك موتين وحياتين . وذلك لان الآية نزلت في جمع خاص من معاندي النبي صلى الله عليه وآله وقد حتم عليهم بالنار قضاء حتم ، حيث يقول عز وجل قبلها ( قل رب اما تريني ما يوعدون * رب فلا تجعلني في القوم الظالمين * وانا على أن نريك ما نعدهم لقادرون . . . حتى أما إذا جاء أحدهم الموت ) الآية . فعلى هذا عدم رجوع هذه الجماعة من المعاندين الذين وعد النبي صلى الله عليه وآله اهلاكهم ، وهم الذين أهلكهم الله ببدر ، إنما كان طبقا لحكم هذه الآية الكريمة : ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) ولا منافاة بينهما وهو واضح .